ابن ميمون
266
دلالة الحائرين
كد [ 24 ] المقدمة الرابعة والعشرون : [ ان كل ما هو بالقوة شيء ما ] ان كل ما هو بالقوة شيء ما ، فهو دو مادة ضرورة لان الامكان هو في المادة ابدا . « 60 »
--> فإنه يصدق عليه أنه ممكن أن لا يوجد بالفعل وذلك معلوم بالضرورة لأنه في وقت كونه بالقوة يصدق عليه أنه ممكن أن لا يوجد بالفعل فلا حاجة إلى جعلها من المقدمات البرهانية . والجواب عن الأول أن المراد بالإمكان هنا إنما هو إمكان الثبات والفساد بعد خروج الشيء من القوة إلى الفعل وهو مغاير لإمكان الوجود والعدم نظرا إلى ذات الممكن ، ألا ترى أن النفس الناطقة بعد وجودها ليس لها إمكان الثبات والفساد إذ ليس لها إمكان الفساد فلا يكون لها إمكان الثبات والعدم مع أنها ممكنة الوجود والعدم نظرا إلى ذاتها إذ لا تصير واجبة لذاتها وإنما تجب لوجوب علتها لا لذاتها . وعن الثاني أن المراد من قوله : فقد يمكن في وقت ما أن لا يوجد هو أنه يعدم في وقت ما بعد خروجه إلى الفعل ، والنفس بالنفس الناطقة لا يتوجه لما ذكرنا أن المراد بالإمكان إنما هو إمكان الثبات والفساد ، وليس للنفس الناطقة هذا الإمكان فيصير تقرير الدعوى في هذه المقدمة هكذا : إن كان ما هو بالقوة وله إمكان الثبات والفساد بعد خروجه من القوة إلى الفعل فإنه لا بدّ وأن يعدم في وقت ما ، وقد استعمل هذه المقدمة في الفصل الّذي ( ذكرت ) فيه أنه نظير رابع فلسفي من جملة دلائل التوحيد على الوجه الّذي لخصناه فلنبرهن على صحتها فنقول : إن كل ما يوجد بعد أن لم يكن فعدمه قبل وجوده ووجوده بعد عدمه قبلية لا تجتمع مع البعدية ، وليست القبلية والبعدية نفس العدم لأن العدم قبل كالعدم بعد ، وليس القبل هو البعد وهي أمور زائدة على عدم الشيء ووجوده وهي قابلة للتفاوت بالزيادة والنقصان وهي متكممة متصلة وذلك هو الزمان ، فاذن كل ما يوجد بعد أن لم يكن فإنه محتاج إلى الزمان ، وقد سبق في المقدمات الماضية أن الزمان من لواحق الحركة ، فكل حادث فهو محتاج إلى الحركة فإذا كان فيه إمكان الثبات والفساد أيضا فعلى تقدير فساده يكون عدمه بعد وجوده على مثل ما قلنا في حدوثه فيكون فساده أيضا محتاجا إلى الزمان والحركة فيلزم أن يكون محتاجا في وجوده وثباته ثم نقول : احتياج مثل هذا الحادث إما أن يكون إلى الحركة مطلقا كيفما اتفق أو إلى حركات معينة ، والأول باطل ، وإلا لدام وجوده بدوام الحركة ، وكلامنا في الحادث الّذي يكون وقتاما بالقوة وإن كان احتياجا إلى حركات معينة فيلزم أن يكون بحيث إذا انعدمت تلك الحركات وانقضت فإنه ينعدم هذا الحادث لأن وجوده من الفاعل إنما كان بشرط تلك الحركات المعينة فينعدم عند انعدامها ضرورة ، وذلك هو الأجل المقدر لكل حادث في القدر الّذي هو تفصيل القضاء الإلهي السابق فقد ثبت أن كل ما هو بالقوة إذا وجد وكان في ذاته إمكان الثبات والفساد فإنه لا بد وأن ينعدم في وقت من الأوقات . ( 60 ) ( الشرح ) : اعلم أن كل ما هو موجود بالقوة فله مادة تكون محلا لإمكانه قابلة لاستعداده . والدليل عليه : أن كونه ممكنا أمر موجود وإلا لم يكن ممكنا ، وذلك الإمكان له موضوع ، لأنه من الأمور الإضافية لا تعقل بنفسها بدون الموضوع فيكون له موضوع . فذلك الموضوع إما أن يكون غير ذلك الممكن الّذي هو بالقوة ، أو ما يكون حالا فيه ، أو ما يكون محلا له ، أو ما لا يكون حالا فيه ولا محلا له ، والقسمان الأولان باطلان وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم ، والقسم الثالث حق وهو المادة ، وذلك لأنا لا نعنى بالمادة سوى ما يكون محلا لإمكان الشيء الّذي هو بالقوة كالنطفة بالنسبة إلى الإنسانية التي تكون بالقوة فإنها موضوعة لإمكانها قابلة لشروط استعدادها ، وأما القسم الرابع وهو مثل أن يقال إمكان الشيء عبارة عن قدرة القادر على إيجاده ، وهو أيضا محال لأن قدرة القادر بعد هذا الإمكان ، فإنه يقال إن لم يكن الشيء ممكنا في نفسه